ألمانيا وكأس أمم أوروبا: قصة بطل لا يعرف الاستسلام

ألمانيا وكأس أمم أوروبا: قصة بطل لا يعرف الاستسلام

حين نتحدث عن بطولات أمم أوروبا، لا يمكن تجاهل ألمانيا، ذلك المنتخب الذي تحول من فريق محلي إلى قوة قارية ثم إلى ماكينة لا تهدأ. منذ مشاركته الأولى في البطولة عام 1972، صنع “المانشافت” واحدة من أعظم السير في تاريخ كأس أمم أوروبا، تخللتها لحظات من المجد، وأخرى من السقوط، لكن المشترك فيها كان الإيمان العميق بقدرة ألمانيا على العودة مهما كان حجم الخيبة.

البداية المتأخرة… ولكن القوية (1972)

لم تُشارك ألمانيا الغربية في أول نسختين من كأس أمم أوروبا، لكن حين دخلت البطولة في عام 1972، فعلت ذلك بطريقة ساحرة لا تُنسى. بقيادة الإمبراطور فرانتس بيكنباور، والهداف الخارق غيرد مولر، اجتاحت ألمانيا التصفيات، ثم سحقت الاتحاد السوفيتي في النهائي بثلاثية نظيفة.

كان ذلك اللقب بمثابة إعلان ولادة قوة جديدة في القارة، ليست فقط فنية بل ذهنية، فطريقة اللعب الألمانية كانت مزيجًا من الصرامة والانضباط والفعالية القاتلة.

الثبات في القمة: اللقب الثاني (1980)

عادت ألمانيا الغربية للتتويج بعد ثمانية أعوام، في نسخة 1980 التي أُقيمت في إيطاليا. ومع أن الجيل تغيّر، ظل الطابع ذاته حاضرًا: تنظيم دفاعي، لياقة بدنية هائلة، وقدرة على الحسم.

قاد كارل-هاينز رومينيغه وهورست هروبيش المنتخب نحو النهائي، حيث فازوا على بلجيكا 2-1. بهذا الفوز، أصبحت ألمانيا أول منتخب يحرز اللقب مرتين، وأثبتت أن المجد ليس وليد صدفة.

النهائيات المتكررة وخيبة 1992

في نسخة 1976، خسرت ألمانيا النهائي أمام تشيكوسلوفاكيا بركلات الترجيح، في مباراة لا تُنسى بسبب ركلة بانينكا الشهيرة. ثم ودّعت من نصف النهائي في 1988 على أرضها.

وفي يورو 1992، وصلت ألمانيا، بعد الوحدة بين الشرقية والغربية، إلى النهائي، لكنها خسرت أمام الدنمارك المفاجِئة 2-0. كانت خسارة موجعة، خصوصًا أنها جاءت أمام منتخب استُدعي قبل البطولة بأيام بعد انسحاب يوغوسلافيا بسبب الحرب، kora live.

يورو 1996: التتويج بالذهبية

جاء الرد سريعًا. في نسخة 1996 بإنجلترا، قدّمت ألمانيا أداءً متزنًا، بلا نجوم مبهرين، لكنها استعادت روح الانتصار.

بلغت النهائي بعد ملحمة في نصف النهائي أمام إنجلترا، ثم واجهت التشيك في النهائي. التعادل استمر حتى دخل أوليفر بيرهوف ليسجل هدفًا قاتلًا في الوقت الإضافي – أول هدف ذهبي في تاريخ البطولات الكبرى – ويمنح ألمانيا لقبها الثالث، لتصبح بذلك أكثر من توج بالبطولة حتى ذلك الوقت.

سنوات التيه: 2000 و2004

تراجعت ألمانيا بشكل لافت في مطلع الألفية الجديدة:

  • في يورو 2000، خرجت من دور المجموعات دون فوز، وبأداء باهت.
  • في يورو 2004، تكررت الكارثة وودعت من الدور الأول مجددًا.

كانت هذه السنوات مظلمة، لكن كما اعتادت ألمانيا، فإن السقوط كان مقدمة للنهوض.

يورو 2008: بداية مشروع جديد

تحت قيادة يواخيم لوف، ظهر جيل ألماني جديد مزج بين الخبرة والشباب. بلغ المنتخب النهائي بعد عروض قوية، لكنه خسر أمام إسبانيا بهدف توريس.

ورغم الخسارة، كانت هذه البطولة بداية مرحلة ذهبية لألمانيا، استمرت حتى تتويجها بكأس العالم 2014، لكنها لم تثمر ألقابًا قارية جديدة.

يورو 2012: الخروج أمام العقدة الإسبانية

دخلت ألمانيا البطولة بواحد من أقوى الفرق، بتشكيلة تضم أوزيل، كروس، مولر، بودولسكي، ونوير. فازت بجميع مبارياتها في دور المجموعات، وتخطت اليونان في ربع النهائي، لكنها اصطدمت بإيطاليا في نصف النهائي، وسقطت بثنائية ماريو بالوتيلي، لتودع البطولة مرة أخرى من الباب الكبير.

يورو 2016: محاولات غير مكتملة

في فرنسا، بدا أن ألمانيا مرشحة قوية للقب. قدمت أداءً جيدًا، وثأرت من إيطاليا في ربع النهائي بعد ركلات ترجيح تاريخية، لكنها خسرت في نصف النهائي أمام فرنسا، لتتوقف رحلة لوف قبل خطوة من النهائي.

يورو 2020: نهاية مرحلة

في البطولة التي أقيمت في 2021 بسبب جائحة كورونا، ظهرت علامات الترهل على منتخب ألمانيا. رغم وجود أسماء مثل كيميش، كروس، جنابري، وهوميلز، فإن الفريق بدا أقل خطورة، وودع من ثمن النهائي أمام إنجلترا، لتُعلن نهاية حقبة يواخيم لوف بعد 15 عامًا.

قراءة فنية في الشخصية الألمانية الأوروبية

ما يُميز ألمانيا في بطولات أمم أوروبا ليس فقط عدد الألقاب، بل القدرة المستمرة على التأقلم وإعادة البناء. كلما بدا أن الماكينات تنهار، يعيد الألمان تشكيل منظومتهم، ويعودون أقوى.

المنتخب الألماني لا يعتمد على نجم واحد، بل على منظومة جماعية، ذهنية احترافية، ومدارس تدريبية تُنتج لاعبين قادرين على اللعب بأساليب مختلفة: من الصرامة الدفاعية في السبعينات، إلى الكرة الهجومية المتوازنة في الألفية الجديدة.

الخلاصة: سيد القارة

بثلاثة ألقاب (1972، 1980، 1996)، وأربعة نهائيات أخرى، تُعد ألمانيا أحد أعمدة بطولة اليورو. هي ليست فقط دولة تفوز، بل تُعلّم الآخرين كيف يبنون منتخبات تتحدى الزمن.

ويبقى السؤال دائمًا: متى تعود ألمانيا إلى منصة التتويج القارية مجددًا؟

مقالات ذات صلة