منتخب هولندا وكأس أمم أوروبا: رحلة برتقالية بين الجمال والحسرة
في سماء كرة القدم الأوروبية، يسطع لون برتقالي مميز لا يشبه أي لون آخر. إنه لون منتخب هولندا، الذي اقترن اسمه بجيل كامل من أساطير الكرة، وارتبط دائمًا بالأداء الهجومي الجميل، والمدرسة الشاملة، والفن التكتيكي. لكن رغم ذلك، فإن قصة “الطواحين” مع بطولة كأس الأمم الأوروبية ليست حكاية امتلأت بالألقاب، بل هي مزيج من الإبداع والحسرة، المجد والندم، البطولة الوحيدة والفرص الضائعة.
البدايات: حضور محتشم وجيل يُمهّد الطريق
لم يكن لمنتخب هولندا حضور مؤثر في النسخ الأولى من البطولة. لكنه في السبعينيات بدأ في فرض نفسه على الساحة العالمية، لا سيما مع بزوغ نجم يوهان كرويف، والظهور المدوي في نهائي كأس العالم 1974 بأسلوب “الكرة الشاملة”، الذي أصبح بصمة خالدة في كتب التكتيك الكروي.
غير أن هذا الجيل لم يستطع ترجمة إبداعه إلى ألقاب في البطولات الأوروبية، حيث غاب عن عدة نسخ متتالية، قبل أن يعود بقوة في الثمانينيات.
يورو 1988: التتويج الوحيد… وكرة القدم تُنصف الجمال
دخلت هولندا يورو 1988 بقيادة المدرب رينوس ميشيل، وبجيل ذهبي يضم الثلاثي التاريخي: ماركو فان باستن، رود خوليت، فرانك ريكارد. كانت التوقعات عالية، لكن المشككين أيضًا كُثر بسبب سجل هولندا في النهائيات.
بعد خسارة المباراة الافتتاحية أمام الاتحاد السوفييتي، انتفض “البرتقالي” ليفوز على إنجلترا وأيرلندا، ويتأهل إلى نصف النهائي لملاقاة ألمانيا، الخصم الأزلي، وعلى أرضه. في واحدة من أروع مباريات اليورو، سجل فان باستن هدفًا قاتلًا في الدقيقة 88 ليُقصي الألمان.
ثم جاءت المباراة النهائية، ليُقابل الهولنديون الاتحاد السوفييتي من جديد، لكن هذه المرة كانت السيطرة كاملة للطواحين. سجل خوليت الهدف الأول، ثم أحرز فان باستن أحد أعظم الأهداف في تاريخ البطولة بتسديدة على الطائر من زاوية مستحيلة، kora live.
وهكذا، تُوجت هولندا باللقب الأول والوحيد في تاريخها، في لحظة بدت وكأنها تعويض رمزي عن سنوات الإبداع التي لم تُكافأ بالألقاب.
بعد التتويج: جيل جديد وحسرة مستمرة
في التسعينيات، استمرت هولندا في تقديم مواهب استثنائية: بيركامب، سيدورف، كلويفرت، الأخوان دي بور، دافيدز وغيرهم. لكن التتويج ظل بعيدًا رغم الاقتراب الشديد.
- يورو 1992: خرجت من نصف النهائي أمام الدنمارك بركلات الترجيح.
- يورو 1996: غادرت من ربع النهائي أمام فرنسا.
- يورو 2000 (على أرضها): كانت المرشحة الأبرز، لكن أهدرت فرصًا بالجملة أمام إيطاليا في نصف النهائي وأقصيت بركلات الترجيح في واحدة من أكثر المباريات حزناً في تاريخها.
- يورو 2004: سقطت أمام البرتغال في نصف النهائي.
- يورو 2008: قدمت أداءً مبهرًا في دور المجموعات لكنها خرجت بشكل مفاجئ أمام روسيا في ربع النهائي.
السنوات الأخيرة: غياب، تجديد، وصعود جديد
مرّت هولندا بفترة تراجع واضحة بعد مونديال 2014، حيث فشلت في التأهل إلى يورو 2016، وهو ما اعتُبر صدمة كبيرة لجمهورها العريض. كما غابت أيضًا عن كأس العالم 2018، مما شكّل أزمة عميقة في الكرة الهولندية.
لكن مع جيل جديد يقوده فيرجيل فان دايك، دي يونغ، ديباي، استعادت هولندا جزءًا من هويتها، وبلغت نهائي دوري الأمم الأوروبية 2019، وتأهلت إلى يورو 2020. لكنها سقطت مجددًا أمام تشيكيا في دور الـ16، لتتكرر خيبات الأمل رغم الوعود المتكررة.
تحليل فني: لماذا لا تفوز هولندا رغم كل هذا الجمال؟
السبب في الغالب ليس فنيًا بحتًا، بل يتعدى ذلك إلى عناصر ذهنية وثقافية:
- المدرسة الهجومية الجميلة لطالما فضّلت الأداء على النتيجة.
- غياب الحسم في اللحظات الكبرى، حيث تظهر هشاشة ذهنية أمام الضغط، مثل الخروج المتكرر بركلات الترجيح.
- الخلافات الداخلية، التي كانت سببًا في انهيار بعض المنتخبات القوية (كما حدث في يورو 1996 ويورو 2012).
ومع ذلك، فإن هذه الخيبات لم تمحُ مكانة هولندا كأحد أعمدة كرة القدم العالمية.