إيطاليا وكأس أمم أوروبا: رحلة من الانتظار الطويل إلى المجد المتجدد

إيطاليا وكأس أمم أوروبا: رحلة من الانتظار الطويل إلى المجد المتجدد

لطالما ارتبط اسم المنتخب الإيطالي بـ”كأس العالم”، حيث حمل اللقب أربع مرات، إلا أن قصة “الآزوري” في كأس أمم أوروبا أكثر تعقيدًا، وفي بعض فصولها تحمل طابعًا دراميًا خاصًا. بين اللقب الأول الذي جاء في حقبة الأبيض والأسود، واللقب الثاني بعد نصف قرن تقريبًا في حقبة الـVAR والضغط الجماهيري الهائل، تشكل رحلة إيطاليا في اليورو مرآة لتحولات الكرة الإيطالية من الدفاع الصارم إلى الكرة الشاملة.

البداية الذهبية: لقب 1968

أُقيمت النسخة الثالثة من كأس أمم أوروبا في عام 1968، وكانت إيطاليا هي البلد المضيف، ووجدت نفسها في موقف نادر: التعادل مع الاتحاد السوفيتي في نصف النهائي دون أهداف. ولأن ركلات الترجيح لم تكن قد اعتمدت بعد، حُسم التأهل بعملة معدنية، فابتسمت القطعة لإيطاليا، وبلغت النهائي.

في النهائي الأول، تعادلت إيطاليا مع يوغوسلافيا 1-1، ولُعبت مباراة إعادة بعد يومين، ففاز الآزوري 2-0 وحقق أول لقب قاري له. لكن رغم هذا الإنجاز، لم يُترجم إلى هيمنة، فقد دخلت إيطاليا بعد ذلك مرحلة من الغياب والخيبة.

السبعينات والثمانينات: الحضور الباهت

  • لم تتأهل إيطاليا إلى نهائيات يورو 1972 و1976.
  • في يورو 1980، التي استضافتها، وصلت إلى نصف النهائي، لكنها خسرت أمام تشيكوسلوفاكيا بركلات الترجيح واحتلت المركز الرابع.
  • فشلت في التأهل مجددًا إلى يورو 1984، ثم خرجت من دور المجموعات في يورو 1988.

كانت هذه السنوات تحمل نجاحات في كأس العالم، لكن “الآزوري” ظل عاجزًا عن فرض هيبته في البطولة الأوروبية.

يورو 2000: الحسرة في اللحظة الأخيرة

دخلت إيطاليا بطولة يورو 2000 بقيادة المدرب دينو زوف، وبتشكيلة قوية تمزج بين الدفاع التقليدي والهجوم السريع، أبرزهم مالديني، توتي، إنزاغي، وكانافارو.

بلغت النهائي لمواجهة فرنسا، وتقدمت بهدف ماركو ديلفيكيو حتى الدقيقة 93، قبل أن تتلقى هدف التعادل من ويلتورد، ثم تخسر بالهدف الذهبي الذي سجله تريزيغيه. كانت تلك الخسارة أكثر اللحظات قسوة في تاريخ إيطاليا في اليورو، ربما أكثر حتى من بعض الخروج المبكر، كورة لايف.

يورو 2004 و2008: جيل قوي دون مكافأة قارية

  • في يورو 2004، خرجت إيطاليا من دور المجموعات رغم عدم خسارتها، بسبب تعادل مشبوه بين السويد والدنمارك (2-2).
  • في يورو 2008، وبعد أن بلغت ربع النهائي، خسرت أمام إسبانيا بركلات الترجيح، في بداية سطوة إسبانية ستستمر لأعوام.

يورو 2012: لمسة من زيدان ثم انهيار أمام إسبانيا

كان منتخب إيطاليا في 2012 بقيادة تشيزاري برانديلي، يلعب بأسلوب جديد بعيد عن الكاتيناتشو التقليدي. برز أندريا بيرلو كلاعب محوري، وقدم الفريق أداءً مميزًا.

بلغت إيطاليا النهائي بعد إقصاء ألمانيا في نصف النهائي بثنائية ماريو بالوتيلي، لكنهم اصطدموا بإسبانيا المتوهجة في النهائي، وتلقوا هزيمة قاسية بنتيجة 4-0، وهي أكبر خسارة في تاريخ النهائيات.

يورو 2016: محاربون بلا نجوم

تحت قيادة أنطونيو كونتي، دخلت إيطاليا يورو 2016 بتشكيلة توصف بـ”الأضعف على الورق”، لكنها قدمت كرة جماعية وانضباطًا تكتيكيًا مذهلًا.

هزمت بلجيكا وإسبانيا، لكنها خرجت من ربع النهائي أمام ألمانيا بركلات الترجيح. كانت البطولة بمثابة تذكير بأن الآزوري قادر على التنافس حتى دون أسماء رنانة.

يورو 2020: اللقب المنتظر بعد 53 عامًا

بعد الفشل الصادم في التأهل لكأس العالم 2018، أعاد المدرب روبرتو مانشيني بناء المنتخب من الصفر، معتمدًا على اللعب الهجومي والاستحواذ، بعيدًا عن الأسلوب الدفاعي الكلاسيكي.

في يورو 2020 (التي أقيمت في 2021)، تألقت إيطاليا منذ البداية. فازت في جميع مباريات دور المجموعات، وتخطت بلجيكا ثم إسبانيا (بركلات الترجيح) لتبلغ النهائي أمام إنجلترا في ويمبلي.

تأخرت إيطاليا بهدف مبكر، لكن ليوناردو بونوتشي أدرك التعادل، وحُسمت المباراة بركلات الترجيح، ليُتوج الآزوري ببطولة أوروبا للمرة الثانية بعد 53 عامًا من الانتظار.

تحوّلات فنية: من الكاتيناتشو إلى الكرة الحديثة

لطالما ارتبطت إيطاليا بالأسلوب الدفاعي المعروف بـ”الكاتيناتشو”، لكن في يورو 2020، أثبت مانشيني أن الآزوري قادر على تقديم كرة هجومية أنيقة، تعتمد على البناء من الخلف، والضغط العالي، والاستحواذ المتوازن.

كما برز دور الحارس دوناروما، الذي كان نجم البطولة دون منازع، إلى جانب لاعبين مثل كييزا، فيراتي، جورجينيو، وإنسيني.

الخلاصة: منتخب لا يموت أبدًا

قصة إيطاليا في كأس أمم أوروبا تحمل كل عناصر الدراما الكروية: انتصارات بطولية، خيبات موجعة، ولحظات خالدة. لم تكن مشاركاتهم دائمًا مستقرة، لكنهم حين يبلغون الأدوار النهائية، فإنهم يشكلون خطرًا حقيقيًا، مهما كانت الأسماء.

لقب 1968 كان إيطاليا القديمة، ولقب 2020 كان إيطاليا الجديدة. وبينهما نصف قرن من المحاولات، والانكسارات، والعودة القوية.

مقالات ذات صلة